معاملة مالية شائعة (٦) – تعفير الزيتــون

الدكتور إبراهيم شاشو

شاع في مناطق إدلب مسألة تعفير الزيتون، حيث بعد أن يقوم صاحب الزيتون بقطاف الزيتون يكون هناك بقايا من ثمار الزيتون قد تساقطت على الأرض أثناء عملية القطاف، وكذلك تبقى بعض الثمار على الشجر قد تركها صاحبها زهداً فيها أو رغبة بعدم قطفها أو التقاطها.
وبعد انتهاء عملية القطاف وخروج صاحب الزيتون من الأرض يدخل بعض الأشخاص إلى أرض الزيتون ويلتقطون ما تساقط من ثمار الزيتون على الأرض، وكذلك يقطفون ما تبقى من حبات الزيتون على الشجر، وفي الغالب تكون حبات الزيتون المتساقطة على الأرض أقل جودة من الثمار المقطوفة، وهذا يحصل دون أخذ إذن صاحب الزيتون وربما دون علمه بالدخول والالتقاط، وقد يكون الداخل فقيراً وهو الغالب وقد يكون غير فقير.

الأصل أن مال المسلم محترم، ولا يجوز أخذ ماله أو الأكل من ثمره دون إذنه ورضاه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رواه الإمام أحمد في المسند.
ومن ذلك الأكل من ثمار الأشجار المملوكة في البساتين والأراضي الزراعية.
لكن إن جرى عرف الناس واشتهر بينهم على ترك الثمار المتساقطة على الأرض أو المتبقية على الشجر والتسامح في تعفيرها – أي التقاطها وقطفها – والعفو عن ذلك دون حاجة إلى استئذان، فيكون تعفيرها وأخذها مباحٌ شرعاً لا بأس فيه لغلبة ظن الإباحـة في هذه الصورة وعفو صاحبها عن ملتقطها وطيب نفسه إذ العادة محكمة.
قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج: (وأما التقاط السنابل ونحوها في وقت الحصاد، فيجوز إذا ظن إعراض المالك عنها أو ظن رضاه بأخذها، وإلا فلا، ولا فرق بين أن يكون الآخذ من أهل الزكاة أم لا وإن خالف في الثاني الزركشي؛ لأن هذا القدر يغتفر كما جرى عليه السلف والخلف).

أما إذا كان صاحب الثمر لا يبيح التقاط الزيتون المتساقط فعليه أن يُعلِن ذلك بالتصريح أو بوضع حارس يحرس البستان ويمنع الأشخاص من الدخول والتعفير، فإذا صرّح صاحب الزيتون بالمنع، أو منع بوضع حارس لم يجز لأي شخص أن يأخذ الثمر المتساقط أو المتبقي على الأشجار دون إذن صاحبه ورضاه.
وليعلم صاحب الثمر أن ترك هذه الثمار المتساقطة أو المتبقية على الأشجار لينتفع بها الناس يُعدُّ صدقة له إن احتسب أجرها عند الله تعالى، سواء أكان الملتقط فقيراً أم ليس بفقير، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِن مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ» رواه النسائي.
كما يجب على من يدخل البستان ليقوم بتعفير الزيتون طلب الاستئذان بالدخول في حال كون البستان مسوّراً أو كان البستان يضم مسكناً أو حريما أو أشخاصاً يبيتون فيه.
كما ينبغي على الملتقط أن يراعي سلامة الأشجار وعدم تعريض أغصانها للكسر أو الضرر إذ لا ضرر ولا ضرار.

وما يقال في حكم تعفير الزيتون يقال في غيره من المحاصيل كثمار التفاح والكرز ونحوها، وكذلك التقاط حب السنابل من القمح والشعير وأمثالها، والله تعالى أعلم.

الدكتور إبراهيم شاشو

@imshasho

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى