معاملة مالية شائعة (٩) – قصُّ الدُّيـون

الدكتور إبراهيم شاشو

شاع بين العامة والخاصة من التجار والصيارفة صورة من المعاملات المالية تسمى قص الديون، إذ يكون لرجل على آخر دين بالدولار، وللثاني على الأول دين بالليرة التركية مثلاً، فيتفقان على قص الدينين من بعضهما (قص الدولار من الليرة التركية أو الليرة التركية من الدولار) بسعر يتفقان عليه ساعة القص.

هذه المعاملة هي صورة من صور (صرف ما في الذمة) وتسمى مسألة تطارح الدينين أو إطفاء الدينين، بحيث يطرح كل طرف دينه من الدين الثابت في ذمة الآخر.
والصحيح جواز هذه المعاملة، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية لما جاء عن ابن عمر أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة رضي الله عنها، فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شيء” رواه الخمسة وصححه الحاكم.
والذمة الحاضرة كالعين الحاضرة، كما أن الدين الثابت في ذمة كل طرف مقبوض حكماً، فحصل الشرط الذي جاء في الحديث: “ما لم تفترقا وبينكما شيء” وذلك بتفريغ الذمتين من هذا الدين.

فلو كان لأحمد على عمر ١٠٠٠$ ، ولعمر على أحمد ١٨ ألف ليرة تركية، فاتفق الطرفان على تطارح الدينين وتفريغ الذمتين بصرف مبلغ الـ ١٠٠٠$ التي لأحمد مقابل مبلغ ال ١٨ ألف ليرة التي لعمر، فالمعاملة صحيحة ولا يبقى لأي طرف على آخر أي دين.

أما إذا اختلفت قيمة الدينين كأن يكون لأحمد على عمر ١٠٠٠$، ولعمر على أحمد ٣٠ ألف ليرة تركية، فاتفق أحمد مع عمر على قص دينه وهو ١٠٠٠$ من دين عمر، وتراضيا على سعر الصرف (١٨,٥ ليرة مقابل الدولار الواحد) فقصّ عمر من دينه مبلغ (١٨٥٠٠ ليرة) وتبقى له في ذمة أحمد (١١٥٠٠ ليرة) بهذه الصورة تكون هذه المعاملة صحيحة، إذ الصرف حصل بمبلغ الألف دولار، وقص من دين عمر كامل قيمة الصرف (١٨٥٠٠ ليرة) والمبلغ المتبقي لعمر (١١٥٠٠ ليرة) يبقى ديناً في ذمة أحمد بالليرة التركية.

أما إذا اتفق الطرفان على تفريغ الذمتين وتطارح الدينين بشكل كامل، وحساب كل ١ دولار بـ ١٨,٥ ليرة تركية، فيكون قيمة دين عمر يعادل بالدولار (١٦٢١)، وعلى أحمد أن يدفع (٦٢١ دولار قبل الافتراق) لتكون المعاملة صحيحة، فقد حصل التصارف بكلا الدينين، فيشترط قبض الفارق قبل التفرق.
أما في الحالة التي سبقتها فقد حصل التصارف مع ١٠٠٠$ فقط، فيطرح ما يقابلها من الليرة التركية ويبقى عمر دائناً لأحمد بالباقي الذي لم يحصل فيه الصرف. والله تعالى أعلم

الدكتور إبراهيم شاشو

@imshasho

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى