همم ليست عاديَّة !!

في مثل هذا اليوم، السابع عشر من رمضان من العام الثاني للهجرة، كانت وقعة بدر الكبرى.. يوم الفرقان.. بعد أن اصطف الصفان للقتال انفصل من صف المشركين ثلاثة من صناديد قريش يطلبون المبارزة، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار، عبدالله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا الحارث- وأمهما عفراء- فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بني عمنا، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي”؛ كما روى ذلك أصحاب السير.

وقفتنا هنا ليست مع الأبطال من المهاجرين الذين بارزوا المشكرين، كما أنها ليست مع عبدالله بن رواحة-بطل من أبطال مؤتة- رضي الله عنهم جميعا، إنما هي مع الأخوين الشابين الشهيدين:

عوف بن الحارث، لم تتوقف همته عند أن يكون أحد أول الملبين لطلب المبارزة، وإنما كانت همته تجول عند العرش، كان ما يشغل فكره أثناء المعركة شيء مختلف عما يدور في أذهان الناس؛ ذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله: “يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «غمسه يده في العدو حاسرا»، فنزع درعا كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل”. “ما الذي يضحك الرب من عبده”؛ هذا ما يشغل فكره!

أما معوذ بن الحارث، فلما لم يحظ بمبارزة أحد الصناديد الثلاثة في بداية المعركة، ذهب يبحث عمن هو أشد منهم كفرا وبأسا.. ذهب يبحث عن فرعون هذه الأمة؛ قال عبد الرحمن بن عوف: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضْلَعَ منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرتُ أنه يسب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبراه، فقال: “أيكما قتله؟” قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: “هل مسحتما سيفيكما؟” قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: “كلاكما قتله”.
وكانا معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن الحارث. وقد قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بسلب عدو الله أبي جهل لمعاذ، وكان معوذ قد استشهد يوم بدر، رضي الله عن الجميع، ورزقنا علو الهمة!

قتلنا سراة القوم عند مجالنا
فلم يرجعوا إلا بقـاصمة الظهر

قتـلنــا أبا جهل و عتبة قبـله
وشيبة يكـبـو لليدين وللنحــر

قتـلنا سـويدا ثم عتبة بعـده
وطعمة أيضاً عند ثائرة القتـر

فكم قد قتلنا من كريم مرزَّءٍ
له حسب في قومه نابه الذكر

تـركـناهم للـعـاديـات ينبنهـم
ويصلون نارا بعد حامية القعر

 

حسين أبو عمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى