الفوز الشيخ: أبو اليقظان محمد ناجي

الشيخ: أبو اليقظان محمد ناجي

لننظر إلى الفوز بنظَّارة القرآن والسنة لتصحيح عيوب الإِبصار، ولحماية العينين من أشعة الحضارة الحديثة، وأتربة الإلحاد، وإشعاعات موسوعة جينيس (Guinness World Records)‏ للأرقام القياسية.

لقد أتى على الناس زمانٌ نسوا فيه الحساب وأقبلوا على الخراب؛ فانقلبت عندهم موازينُ الفوز والخسارة؛ والله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾؛ 

الفوز الحقيقي يوم تنادي في الموقف: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، 

والخسارة كلُّ الخسارة يوم يقولون: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. 

الدنيا مزرعةٌ لدار الخلود ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، 

والنجاح في الدنيا جزءٌ من الفوز الأخروي وموصلٌ إليه ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، 

أما البحث عن الفوز في سرابٍ ﴿بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فهذا خسران الدارين ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}، حقًا إنه الخسران المبين ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. 

ومع زخارف الدنيا من مالٍ وسلطةٍ وجاهٍ يكون حال بعضهم ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، 

وعندما تنكشف الحقائق ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، 

حينها يردد الجميع ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

قال ابن الرومي: 

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشَّفتْ  

له عن عدوًّ في ثياب صديقِ 

عليك بدارٍ لا يزول ظلالُها

ولا يتأذى أهلُها بمضيق

جاءوا يبحثون عن الحظوةِ عند فرعون راغبين في قربه وماله ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، فلما عَقِلوا الفوزَ الحقيقي قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾، في أول النهار كانوا كفاراً سحرة، وفي آخره صاروا شهداء بررة.

وتأمل المفارقة بين المجرمين والمؤمنين في قول رب العالمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ لقد حُرِّق الكفارُ وفاز المؤمنون؛ قال الربيع بن أنس: “نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار وخرجت النار إلى مَن على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم”. والآية عامةٌ في أصحاب الأخدود وكفارِ قريش ومن يأتي بعدهم من المجرمين ممن يفتنون المؤمنين والمؤمنات؛ فحيثما وجِد أبو جهل والوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث وأمية بن خلف سنرى في الأمة بلالًا وأبا فكيهة وخبابًا وعمارًا وزنيرة وسمية والنّهدية ولبيبة وأمَ عُبيس…؛ لتحرق النارُ أبا جهل وأضرابَه ويفوز بلالٌ وإخوانُه فوزًا كبيرًا.

إن الشقي الذي في النار منزله 

والفوز فوز الذي ينجو من النار

– ولا زال صدى البشارة النبوية يصدحُ بين قوافل الفائزين؛ {يا أبا يحيى! ربح البيع، يا أبا يحيى! ربح البيع، يا أبا يحيى! ربح البيع}، 

– ولا زالت جموع الراحلين إلى ربهم بلا كفن تودع دار الفناء لترقى مع الفائزين في منازل الشهداء؛ {زِّملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يُكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يُدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك}، 

– ولا زال المفلحون من دعاة الأمة المصلحين أمنًا قوميًا لأمتهم، لا يضرهم من خذلهم؛ فسجْنهم خلوة وخروجهم من بلدانهم سياحة وقتلهم شهادة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

* وقد ورد الفوز في القرآن الكريم ست عشرة مرة؛ وأتى على مراتب ثلاث: “الفوز المبين والفوز الكبير والفوز العظيم”:

– الفوز المبين هو أقل درجات الفوز، وقد ورد في صرف العذاب، والدخول في رحمته سبحانه وتعالي وذلك في موضعين في القرآن الكريم؛ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.

– أما الفوز الكبير فقد ورد مرةً واحدةً في القرآن الكريم؛ جاء ذِكرُه في دخول الجنة دون الحديث عن منازلها ومتاعها والخلود فيها، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. 

غير أن الفوز العظيم هو أعلى درجات الفوز وأعظمه مكانة، وقد تكرر ذكره في القرآن الكريم ثلاث عشرة مرة، حيث ذكرَ اللهُ تعالى مع دخول الجنة، الخلودَ فيها، ونعيمَها من مساكن طيبة، وأنهارٍ، وحورٍ عين، وأعلا كل ذلك رضوان من الله، كقوله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

من أراد هذا الفوز فعليه بصفاتٍ أربعة؛ طاعةُ الله سبحانه وتعالى، وطاعةُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وخشيةُ الله تبارك وتعالى، وتقواهُ جلّ وعلا؛ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، مع طلب العون من الله وجميل التوكل عليه سبحانه فهو زادنا إلى حسن المصير إليه وعتادنا إلى يمن القدوم عليه، إنه بكل جميلٍ كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.  

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى 

فأوّل ما يقضي عليه اجتهادُه

«اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير النجاح،.. آمِينَ».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى