ملهاة علمية في (رحاب الطاغية)!!

ملهاة علمية في (رحاب الطاغية)!!

بعد أن فعل الطاغية تيمور لنك لعنه الله الأفاعيل في مشرق الإسلام، وبعد أن بنى من جماجم الحلبيين منارات ثم أحرق حلب وسار إلى دمشق فخدع عددا من مشايخها كابن مفلح وابن خلدون وغيرهم، وبينما هو يستعد لاستباحة دمشق وقتل أهلها وانتهاك أعراض عامة رجالها ونسائها وما فعله فيها من الأفاعيل الشنيعة الفظيعة، وقعت بين يديه هذه الملهاة! 

 رجل يطلب منه أن يوليه الخلافة! فيقول له تيمور لنك: لو وافقك المشايخ على ذلك وليتك، ويطلب من هؤلاء المشايخ الرد عليه! 

 

 قال ابن خلدون في تاريخه ناقلا هذه الحادثة وما قاله يومها: “وكان أيام مقامي عند السلطان تمر [تمر هو تيمور لنك]، خرج إليه من القلعة يوم أمّن أهلها رجل من أعقاب الخلفاء بمصر، من ذرّية الحاكم العبّاسي الّذي نصبه الظاهر بيبرس، فوقف إلى السلطان تمر يسأله النّصفة في أمره، ويطلب منه منصب الخلافة كما كان لسلفه، فقال له السلطان تمر: أنا أحضر لك الفقهاء والقضاة، فإن حكموا لك بشيء أنصفتك فيه. واستدعى الفقهاء والقضاة، واستدعاني فيهم، فحضرنا عنده وحضر هذا الرجل الذي يسأل منصب الخلافة، فقال له عبد الجبّار: هذا مجلس النصفة فتكلّم.  

فقال: إن هذه الخلافة لنا ولسلفنا، وإن الحديث صحّ بأن الأمر لبني العبّاس ما بقيت الدّنيا، يعني أمر الخلافة. وإني أحقّ من صاحب المنصب الآن بمصر؛ لأن آبائي الذين ورثتهم كانوا قد استحقّوه، وصار إلى هذا بغير مستند. 

فاستدعى عبد الجبّار كلامنا في أمره، فسكتنا برهة، ثم قال: ما تقولون في هذا الحديث؟  

فقال برهان الدّين بن مفلح: الحديث ليس بصحيح. 

واستدعى ما عندي في ذلك فقلت: الأمر كما قلتم من أنّه غير صحيح. 

فقال السلطان تمر: فما الذي أصار الخلافة لبني العباس إلى هذا العهد في الإسلام؟ وشافهني بالقول. 

فقلت: أيّدك الله! اختلف المسلمون من لدن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هل يجب على المسلمين ولاية رجل منهم يقوم بأمورهم في دينهم ودنياهم، أم لا يجب ذلك؟ فذهبت طائفة إلى أنه لا يجب، ومنهم الخوارج، وذهب الجماعة إلى وجوبه، واختلفوا في مستند ذلك الوجوب، فذهب الشيعة كلهم إلى حديث الوصية، وأن النبي صلّى الله عليه وسلم أوصى بذلك لعلي، واختلفوا في تنقّلها عنه إلى عقبه إلى مذاهب كثيرة تشذّ عن الحصر. وأجمع أهل السّنّة على إنكار هذه الوصيّة، وأن مستند الوجوب في ذلك إنما هو الاجتهاد، يعنون أن المسلمين يجتهدون في اختيار رجل من أهل الحق والفقه والعدل، يفوّضون إليه النظر في أمورهم. 

ولما تعدّدت فرق العلويّة وانتقلت الوصيّة بزعمهم من بني الحنفيّة إلى بني العبّاس، أوصى بها أبو هاشم بن محمد بن الحنفيّة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، وبثّ دعاته بخراسان. وقام أبو مسلم بهذه الدعوة، فملك خراسان والعراق، ونزل شيعتهم الكوفة، واختاروا للأمر أبا العبّاس السفّاح ابن صاحب هذه الدّعوة، ثم أرادوا أن تكون بيعته على إجماع من أهل السنة والشيعة، فكاتبوا كبار الأمة يومئذ، وأهل الحل والعقد بالحجاز والعراق، يشاورونهم في أمره، فوقع اختيارهم كلّهم على الرضى به، فبايع له شيعته بالكوفة بيعة إجماع وإصفاق. ثم عهد بها إلى أخيه المنصور، وعهد بها المنصور إلى بنيه، فلم تزل متناقلة فيهم، إما بعهد أو باختيار أهل العصر، إلى أن كان المستعصم آخرهم ببغداد. فلمّا استولى عليها هولاكو وقتله افترق قرابته، ولحق بعضهم بمصر، وهو أحمد الحاكم من عقب الرّاشد، فنصبه الظّاهر بيبرس بمصر، بممالأة أهل الحلّ والعقد من الجند والفقهاء. وانتقل الأمر في بيته إلى هذا الذي بمصر، لا يعلم خلاف ذلك. 

فقال لهذا الرّافع: قد سمعت مقال القضاة وأهل الفتيا، وظهر أنه ليس لك حقّ تطلبه عندي. فانصرف راشدا”.

 

الشيخ: أبو شعيب طلحة المسير 

Exit mobile version