قوتنا الناعمة والخشنة | كتابات فكرية | مجلة بلاغ العدد ٥٨ – شعبان ١٤٤٥ هـ |

الأستاذ: أبو يحيى الشامي

عرَّفَ الأدميرال الأمريكي “جوزيف ناي” مفهوم القوة الناعمة، في أنها: “القدرة على الاستقطاب والإقناع، إذ إن القوة الخشنة تكمن في القدرة على الإجبار والإكراه، المُتَأتِّية من القوة العسكرية للدولة، أو من تفوِّق قدراتها الاقتصادية، فإن القوة الناعمة تتأتى من جاذبيتها الثقافية أو السياسية أو الإعلامية، أو ما سواها”، جوزيف ناي: عميد كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد، ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي الأسبق، ومساعد وزير الدفاع في عهد إدارة كلينتون الأولى في التسعينات.

حديثنا في هذا المقال الموجز عن القوتين معاً، القوة الخشنة أو الصلبة التي يتبادر إلى ذهن عامة الناس أنها قوةٌ، وهي عسكرية غالباً، بينما لا يفطن الكثيرون أن القوة الناعمة المشتملة على الجوانب المعنوية والثقافية هي قوةٌ أيضاً، قد تكون أمضى في تحقيق الأهداف، وهي بالتأكيد أقل كلفة، وإن المزج بين القوتين بطريقة تكاملية يُعبَّر عنه بمصطلح القوة الذكية.

في صدر الإسلام وعزِّ دولته ووحدتها، كان إعمال القوتين يجري على أكمل وجه، والفتح يتلو الفتح، فتح القلوب وفتح الأمصار، فالإسلام دعوةٌ بالحكمة والموعظة الحسنة يستعمل أهله أدواتِ هذه الدعوة، ويعضُدونها بالقوة العسكرية، ولقد أولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه من بعده أهميةً كبيرة للسياسة، وتألُّفوا وجوه الناس بالمال وحفظ المكانة، واستعملوا إعلام ذاك الوقت المتمثل بالشعر والخطابة والرسائل، وكان للمصاهرة والعهود متعددة المجالات، وللعلاقات العامة والخاصة؛ الجماعية والفردية دورها أيضاً.

قوتان متكاملتان، إن اجتمعتا حققتا الغلبة لمن يملكهما في كل المجالات، وإن افترقتا كانت الغلبة منقوصة أو مؤقتة، فمثلاً كان تأثير الإسلام سريعاً عميقاً مستمراً في الشعوب التي غلبها المسلمون، وهذا لم يكن لحضاراتٍ أو دولٍ أخرى كالمغول الذين ملكوا القوة الخشنة ولم يملكوا الناعمة، فتأثروا بالحضارات الأخرى وتشربوا الأديان التي كانوا يفتقدونها، ومنهم من أسلم وانقلب على قومه وهو الخشن الغالب المنتصر.

ولقد استفادت الحضارة الغربية من دروس التاريخ فقامت دولها الحديثة باستعمال القوتين معاً، ما أدى إلى غلبة ذكية في أكثر المجالات، وأكثر دولة حققت ذلك وفرضت واقعاً عالمياً جديداً يتماهى معها هي الولايات المتحدة الأمريكية، أما من امتلك القوة الناعمة فقط فقد حقق النفوذ في مجال تلك القوة ولم يحقق السيطرة، فالسيطرة لا تكون إلا بتدخل القوة الخشنة الصلبة، فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية دخلت معظم بيوت العالم بصناعاتها الدقيقة وأفلام الكرتون ذات المحتوى الهادف الرصين، وبذلك حققت نفوذاً في هذا المجال لكنها لم تبسط سيطرة.

وللتعبير عن تأثير مزيج القوة الخشنة والناعمة قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: “إن المغلوبَ عادةً ما يكون مولعاً بتقليد الغالب في طريقة الحياة، وفي الملبس والمأكل وحتى في أنماط التفكير، وفي كل شيء، والسبب في ذلك أن النفس دوماً تعتقد الكمال فيمن غلبها”.. وهذا الذي عدده ابن خلدون كله يتعلق بالقوة الناعمة التي مهدت لها القوة الخشنة لكي تعضدها وتتكامل معها في بسط السيطرة والنفوذ معاً، وتثبيت الحكم، فإذا عُدمت القوة الناعمة لم يكن هناك ما يقلده المغلوب ولربما أثر هو في الغالب بالمخالطة فهي أهم عامل تأثيرٍ متبادل.

عملياً بدأ تراجع الدولة الإسلامية مذ حازت طوائف البدعة والباطل وأهل عزاء الجاهلية أسباب القوة الخشنة والناعمة، على حساب حملة الدعوة الأوائل الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون ولاية الأمر فيهم، يستعينون بمن يليهم، وازداد الضعف وبدأ التفتت مع استلام الموالي والعبيد إمارة الجيش في الدولة العباسية، وظهور أنواعٍ جديدة من القوة الناعمة التي منها الفاسد المفسد، تولى كبرها رقيقو الدين وأهل البدع والمعصية.

وهذا ما حدث في أمصار الإسلام منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا وازداد، وفي الشام بعد ضعف ثم ذهاب دولة الخلافة في مطلع القرن الماضي، كان أهل السنة في الشام يأنفون من تولي الوظائف العامة ومن الانضمام إلى الجيش وأجهزة الأمن والشرطة، وذلك لأسباب منها موروث معرفي سُنِّي، أن الذين ينضمون إلى السلطة أو أدواتها هم أعوان الظلمة، حيث مرت الأمة بمراحل ظلم وظلام كثيرة، نال أهل الشام منها ما نالهم، ولهذا التوجه مستند شرعي من الكتاب والسنة، فعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيَأتِيَنَّ عليكُم أُمَراءُ يقرِّبونَ شِرارَ النَّاسِ، ويؤخِّرونَ الصَّلاةَ عن مواقيتِها فمن ، أدرَك ذلِك منكم فلا يَكونَنَّ عَرِيفًا ولا شُرطِيًّا ولا جَابِيًا ولا خَازِنًا» رواه ابن حبان وأبو يعلى وحسنه الألباني، لكن الفهم والتطبيق العملي يحتاج اجتهاداً وموازنة سياسية شرعية، تحقق مصلحة الإسلام والمسلمين، قال الشيخ عبد المحسن العباد: “وكذلك يقال في حديث «لا تكن لهم شرطياً ولا جابياً ولا عريفاً»، فهو محمول على كون ذلك في أمور الشر والظلم التي لا تجوز، وأما في الخير فقد دل على الجواز الحديث”، شرح سنن أبي داود (14 /277).

وزهد أهل الشام المسلمون في الوظائف العامة ووظائف الأمن والجيش لأنهم مستغنون عنها بالعمل في الزراعة والصناعة والتجارة، على عكس الطوائف من الأديان الأخرى والفرق الباطنية، كما أنهم أهملوا القوى الناعمة الشرعية إن كان أتباع الأديان الأخرى والفرق الباطنية برعوا في مجال القوى هذه من حلالٍ وحرام، وبنيَّةٍ تخدم مصالحهم الدينية والدنيوية ضد الإسلام والمسلمين.

فما وجد أهل السنة في الشام إلا والطوائف الأخرى قد سيطرت بمساعدة الدول المحتلة على الجيش والشرطة والوظائف العامة الهامة، ووسائل الإعلام وتوابعها الدعائية والثقافية والفنية، فترى ضابط الأمن والمساعد والعنصر من الطائفة النصيرية والدرزية والإسماعيلية، وضباط الجيش ومساعديهم من الطوائف هذه والنصرانية، والمذيع والرسام والممثل والمغني والشاعر وغيرهم ممن يجذبون أنظار الناس وأسماعهم من هذه الطوائف، بينما ضعف وتلاشى دور أهل السنة في هذه المجالات، لأنهم لم يوجدوا لها طرقاً شرعية كي ينافسوا من خلالها أبناء هذه الطوائف والدول التي تدعمهم، وقصروا في مجال نشر الدعوة والعلم، وحورب من لم يقصر منهم، حورب برؤوس وأتباع هذه الطوائف وبغيرهم.

وبدلاً من المزاحمة بأنواع القوى المشروع ضد غير المشروع منها، انكفأ أهل السنة، حتى وصلوا إلى حالة من الضعف تسلطت عليهم فيها الأقليات وهم الأكثرية، فلم يمضِ قرنٌ من الزمن إلا وأهل السنة يستعملون كخدم لهذه الطوائف، وينكل بالممتنع منهم، وضعاف أهل السنة يتابعون من اشتهر من هذه الأديان والطوائف علموا انتماءه ومرجعيته أو لم يعلموها، فكانت نكبة الضعف العسكري، وكان الأنكى والأدهى والأمر الضعف الحضاري المعنوي.

وعندما قامت الثورة السورية لاستعادة الحق المغضوب قصَّر أبناء الثورة في العمل على امتلاك القوة العسكرية الشرعية الحرة، لكنهم قصروا أكثر في امتلاك القوة الناعمة التي تدعم قوتهم العسكرية، وتواجه القوة الناعمة لعدوهم وتدحض دعايته، وتجذب الأنظار إليها بدلاً من عدوها، الذي استعمل مخزون القوة الناعمة التي احتكرها للتشويش وإقناع الناس ليصدقوا كذبه، ومنها المسلسلات التمثيلية التي يتابعها حقيقةً عددٌ كبيرٌ من أبناء الأمة، وعدد من الذين ينتمون إلى الثورة أو يدَّعون الانتماء إليها، ومنها غير ذلك من مغنين ورسامين وأنواع محترفي الدعاية والإذاعة.

في السنوات الثلاث الماضية لاحظنا تراجعاً في مجال القوة الناعمة بأنواعها، ومنها الإعلامي، حيث انشغل إعلام الثورة الجماعي كقنوات تلفاز ومواقع انترنت وإعلام فصائل وحكومات ومجالس، والفردي الذي يمثله إعلاميون مستقلون، انشغلوا بالأمور المادية والثانوية عن الثورة وأسباب قيامها والجهاد، وأصبح غاية ما يريد الإعلامي تحقيق الأرباح من خلال مقاطع رائجة عن الهوايات الشبابية والمقاطع المصورة العاطفية، وتوقفت قنوات ومواقع إعلامية هامة، مما استدعى العمل على الإصلاح والترميم والنهوض بجديد قوي يقوم بحق وواجب الثورة وأهلها.

وغير النظام المجرم تجد أن التنظيمات والجماعات والأحزاب والميليشيات المجرمة تقوم باستعمال القوى الخشنة والناعمة ضد الثورة، بكفاءة تؤكد أن الأيدي الاستخبارية تديرها، وما خبر الجولاني وعصابته ببعيد، حيث مكروا مكر الليل والنهار للسيطرة على الثورة والجهاد والقضاء على أبنائها الصادقين، ولم يجدوا أمامهم مواجهةً إلا من قلة ثبتت في عدة مجالاتٍ بفضل الله عز وجل، حتى ظهر ما كانوا يحذرون الناس منه، وانقلبت القوة الخشنة والناعمة التي استعملها الجولاني ضد الثورة انقلبت ضده جزئياً، ويُنتظر أن تنقلب ضده كلياً إن شاء الله، وهذا لا يكفي، إذ لا بد من قيام الصادقين بواجب توحيد الجهود العسكرية وكل أنواع الجهود الإعلامية والاجتماعية لمواجهة أعداء الثورة الأقرب والأبعد، الأصغر والأكبر، بقوة واقتدار، وصبر واستمرار، حتى تحقيق الغاية، واستعادة الزمام.

 

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وأعنا، وانصرنا، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيت لنا. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى